ما قصة المدينة الآسيوية التي يتناول سكانها وجبات إفطار دسمة في الرابعة فجرا؟
الإثنين 08 مارس - آذار 2021 الساعة 04 مساءً / المركز اليمني للإعلام - متابعات
عدد القراءات (1225)

ان الليل قد أوشك أن ينتصف في مدينة ترانغ جنوبي تايلاند، وكنت أحدق في فرن ضخم في حجم عربة التوك توك. وكان اللهيب والدخان يتصاعدان من القمة، ووضع رجلان بحرص خنزيرين كاملين مذبوحين حديثا وسط نار الفرن المستعرة. وبعد ساعة واحدة رفع الرجلان خنزيرين محمّرين ومدخنين تفوح منهما رائحة زكية.

وقطع العاملون الخنزيرين بعد أن تركاهما ليبردا، وقسموهما إلى قطع متساوية لعرضها في سوق ترانغ المركزي في الساعة الرابعة صباحا.

ولا يوجد إلا القليل من الأماكن في العالم التي يقيم فيها الناس عن طيب خاطر الاستعدادات اللازمة لشيّ خنازير كاملة يوميا. لكن لا يوجد أيضا إلا القليل من الأماكن في العالم التي يحرص فيها الناس على تناول الإفطار كحرص سكان ترانغ على تناوله. غير أن هوس سكان ترانغ بالإفطار، حتى في بلد اشتهر بعشقه للطعام مثل تايلاند، قد يبدو زائدا عن الحد.

إذ يبدأ سكان ترانغ يومهم في قاعات ضخمة لأطباق "الديم سام" الصينية التقليدية، أو مطاعم عريقة لبيع أطباق الشعيرية وعصيدة الأرز أو مقاه أو أكشاك لبيع أطباق الكاري والخضروات واللحوم المقلية على الطريقة الصينية والحساء. وبعضهم يصطف أمام طاولات البائعين الذين يقفون على قارعة الطريق لبيع أعواد العجين المقلية والمقرمشة أو الأكشاك الأكثر شهرة التي تبيع لحم الخنزير المشوي على الطريقة المحلية بالكيلوغرام. لكن ما سر عشق سكان ترانغ للإفطار؟


تقول خانابورن جانجيردساك، صاحبة مطعم ومؤرخة طعام: "المطاعم في ترانغ تلبي احتياجات مختلف العمال في المدينة". وعن سبب هوس السكان بالإفطار تقول: "يستيقظ جامعو المطاط من الأشجار في الساعة الثانية صباحا، ويشتري أصحاب المطاعم المكونات الساعة الخامسة صباحا، فالناس هنا يأكلون طوال الوقت".

وتقول خانابورن إن المطاط يعد من المحاصيل المهمة في المناطق الريفية حول ترانغ، ولأن عصارة أشجار المطاط يجب أن تجمع في الساعات الأولى من الصباح، فقد ظهرت عادات صارمة للإفطار المبكر. وأحيانا يتناول جامعو المطاط وجبتين قبل طلوع الشمس.

وأسهمت الهجرة أيضا في تشكيل عادات الإفطار في المدينة. فمنذ القرن الخامس عشر، جذبت التجارة وفرص العمل الكثير من المهاجرين الصينين إلى مناطق عديدة بمحاذاة ساحل بحر أندامان في تايلاند، لكن النسبة الأكبر من المهاجرين تركزت في ترانغ، التي طغى عليها الطابع الصيني، وتحولت إلى بوتقة للثقافات الصينية. وتعد الهاكا والهوكين وتيوتشو من اللغات الصينية التي يتحدثها السكان في المدينة. وتعد الأطباق الكانتونية هي الأكثر حضورا على موائد الإفطار في ترانغ. 

وتقول ياواني ثيراكليلا، التي انتقل أجدادها الصينيون الكانتونيون إلى ترانغ وورثت عنهم مطعم "جيب خاو"، أشهر مطاعم "الديم سام" وأعرقها في ترانغ: "كان الناس يأتون قديما للمطعم لتناول الشاي ولم يكن يقدم آنذاك إلا القليل من أصناف الطعام، مثل كرات العجين المطهية على البخار أو أعواد العجين المقلية".

وبينما كنا نجلس في مطعمها في الساعة السابعة صباحا، كان المطعم يغص بالعائلات وطلاب المدارس والمتقاعدين والموظفين في طريقهم لأعمالهم.

وتقول ثيراكليلا إن صالات الشاي في ترانغ شرعت في إضافة المزيد من أصناف الطعام عاما بعد عام، حتى تحولت إلى مطاعم مجهزة بمطابخ متكاملة. وأصبحت المدينة اليوم مركزا لقاعات أطباق "الديم سام" الشاسعة التي تقدم طائفة من الأطعمة المطهية على البخار والمقلية وكذلك أطباق الشعيرية والأرز.

وتتميز أطباق "الديم سام" في مدينة ترانغ بمذاقها الشهي والفريد، ويضفي الثوم والفلفل الأبيض على حشواتها، التي لا تكاد تخلو من لحم الخنزير، نكهة تايلاندية. ولا تزال بقايا ثقافة الشاي الصينية واضحة في مطاعم مثل جيب خاو وغيرها، حيث يصب الشاي والقهوة عبر مصفاة رقيقة من القماش. وتقول ثيراكليلا إن مطعمها هو الوحيد في المدينة الذي لا يزال يقدم الشاي الصيني على الطريقة التقليدية من إبريق الشاي الصغير ويزين بأوراق أزهار الأقحوان.

وتقول: "كان الناس في عهد أبي، يكثرون من شرب الشاي، ولهذا كانوا يأكلون الأطعمة الدسمة ويعيشون أعمارا طويلة".

ولا شك أن ثيراكليلا تقصد بالأطعمة الدسمة لحم الخنزير المشوي الذي اشتهرت به مدينة ترانغ. وبالرغم من أن هذا الطبق تعود أصوله إلى الصين، حيث كان يقدم في الاحتفالات والمهرجانات، إلا أنه أصبح الآن مرادفا لمدينة ترانغ، ويباع في أكشاك في الأسواق صباحا وقاعات أطباق الديم سام ويعد أحد الأطباق الأساسية التي يواظب السكان على تناولها يوميا، ويحرص الزوار أيضا على تذوقها.

ويُقدم الخنزير المشوي في بعض مطاعم الديم سام الشهيرة في ترانغ مع الفطائر المحشوة والمطهية على البخار، ويقطع اللحم شرائح صغيرة بسكاكين ضخمة. ويباع أيضا في الأسواق المركزية في ترانغ صباحا في علب معدة للزبائن الذين يأتون على دراجاتهم البخارية ويطلبون كيلوغراما أو اثنين من لحم الخنزير المشوي ثم ينطلقون مسرعين.

وتعد أعواد العجين المقلية ثاني أشهر الأطعمة في ترانغ، وهي أيضا أحد أصناف الأطعمة الرئيسية التي تقدم على الإفطار في الصين.

ويقول سوميوت أثاكيجمونغول، الذي ورث عن والده مطعم "كون شيانغ بانغ راك" الصغير الذي يقدم ما يوصف بأنه أفضل عجين مقلي في المدينة للإفطار: "أستيقظ في الثالثة صباحا يوميا لإعداد العجين، ثم أشرع في القلي بحلول السادسة، وفي الساعة التاسعة عادة ينفد العجين المقلي".

وبينما كنت أتحدث مع أثاكيجمونغول، كان منهمكا في تشكيل العجين وتقسيمه وتحويله إلى أعواد رفيعة، ثم وضعها في الزيت الساخن حتى تصبح ذهبية وهشة.

وعن أسباب تميز فطائره يقول: "إن فطائرنا تظل مقرمشة لفترة أطول وتكون هشة من الداخل".

وتباع أعواد العجين المقلية في كل مكان في المدينة، إلى درجة أن جميع قاعات الديم سام لا تخلو من أطباق مغطاة بالأوراق السميكة التي يستخدمها الناس لتجفيف الزيت الفائض عن العجين، ويقال إن البعض قد يستخدمونها أيضا لكتابة الأرقام عندما ينهمكون في الحديث عن خططهم التجارية أثناء تناول الإفطار.

لكن الإفطار في ترانغ لا يقتصر على الأطباق الصينية، فالمدينة، كشأن سائر المدن جنوبي تايلاند، تضم جالية مسلمة كبيرة ويوجد العديد من المطاعم الحلال في الهواء الطلق بالقرب من محطة قطار ترانغ، حيث يباع الخبز المحمر والمقرمش "الروتي"، مع أطباق الكاري المصنوعة من البهارات المجففة، وهي أقرب إلى الطعام الهندي منها إلى التايلاندي.

أما الطعام التايلاندي، الذي للمفارقة هو الأقل حضورا على موائد الإفطار في المدينة، فيباع في أكشاك صغيرة أو مطاعم، حيث تعرض أطباق الكاري بأنواعها والخضروات واللحوم المقلية والحساء وغيرها من الأطباق التايلاندية. وهذه الأطباق تقدم عادة في وجبة الغداء في سائر أنحاء تايلاند، لكنها في ترانغ، تعد إفطارا.

وعندما تحدثت مع ثاناتيب بونيارات، التايلاندية التي تمتلك كشكا لبيع أطباق الكاري، عن أهمية الإفطار في المدينة قالت: "اشتهر سكان ترانغ بأنهم يعشقون الطعام. وبينما يتناول الناس في سائر أنحاء تايلاند أربع وجبات يوميا، فإن سكان ترانغ يتناولون تسع وجبات يوميا".

لا أنكر أنني في ذلك الصباح تناولت الإفطار مرتين، فمن الواضح أنني تأثرت بالعادات الغذائية في المدينة.


تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع المركز اليمني للإعلام نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
مواضيع مرتبطة
قصة متشرد تحول إلى رئاسة شركة بمليار دولار
ميشال ليريس... الكتابة والمجازفة!
أفضل الروايات العالمية في التاريخ
الألعاب الشعبية في اليمن وأثرها في بناء الشخصية الاجتماعية
صورة المثّقف في رواية “لما تحطّمت الجرّة” لسعد محمد رحيم